ابن خالوية الهمذاني

42

الحجة في القراءات السبع

أقول لأخي الناقد : لا أحب أن أكرّر ما قلت في شأن كتب الطبقات فليس أصحابها معصومين من النسيان ، وليست هذه الكتب بمأمن من الخطأ ، ولا أدل على ذلك من هذا التراث الضخم الذي حوته فهارس مكتباتنا في الشرق والغرب ، ولا تجد للكثير منه ذكرا في كتب الطبقات المعروفة . ألم أقل في بحثي لإنتاج ابن خالويه العلميّ : إنني استطعت أن أنسب إلى ابن خالويه كتبا لم تضمها كتب الطبقات ؟ وعددت من هذه الكتب عشرة كتب أذكر منها : كتاب الريح . وكتاب أسماء الله الحسنى ، وكتاب الهاذور ، وشرح ديوان أبي فراس الحمداني . . أتسقط هذه الكتب لأنها لا توجد في البغية ، أو في أنباء الرواة ، أو في معجم الأدباء . . . الخ ؟ لو فعلنا ذلك لأجهزنا على تراثنا بأيدينا من حيث لا نشعر . ولا أسلم أيضا للناقد الفاضل بأن ابن خالويه لم يشر إليه في تضاعيف كتبه ، لأن ابن خالويه قد أشار إليه ، أشار إليه في كتابه « إعراب ثلاثين سورة » عند تعرضه للقراءات في قوله تعالى : أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ قال : « أجمع العلماء على كسر الهاء في التثنية إذا قلت : عليهما ، قال الله عز وجل : يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا « 1 » إلا يعقوب الحضرمي فإنه ضم الهاء في التثنية كما ضمّها في الجمع ، وقد ذكرت علة ذلك في كتاب « القراءات » . « 2 » وهذا التّعليل تجده في الحجة « 3 » . وأمّا عدم ذكره باسم الحجة فقد بينت السّرّ في ذلك ، وأن هذه التسمية جاءت متأخرة عن عصر ابن خالويه . إن ابن خالويه حينما يقول : ذكرت علة ذلك في كتاب « القراءات » أليست هذه إشارة واضحة إلى أنّ المعنيّ بذلك هو كتاب الحجة ؟ وما مدلول قوله : « علة ذلك » ؟ أليست العلة هي التوجيه النحوي أو اللغوي ؟ وما التوجيه النحوي أو اللغوي إلا الاحتجاج ، وما الاحتجاج إلا ذكر الحجة ، والحجّة تتكرر في كل قراءة يعرضها . إنّ الذي يعنيني يا سيدي أوّلا وأخيرا هو المضمون لا الشكل ، والجوهر لا العرض ، والمعنى لا اللفظ ، وهذا كله يشير إلى أن كتاب القراءات الذي أشار إليه ابن خالويه هو في الاحتجاج ، وبذلك لا نسلم للناقد الفاضل قوله : إنه لم يشر إليه في تضاعيف كتبه .

--> ( 1 ) المائدة - 23 . ( 2 ) إعراب ثلاثين سورة - 32 . ( 3 ) الحجة في القراءات السبع : تحقيق : عبد العال سالم مكرم - طبع دار الشروق - بيروت .